القسم الأول: الخطوبة والزواج
كُنتُ في غاية الفرح عندما عرفت أن العريس الذي تقدم لي هو دكتور وصاحب مستشفى كبيرة في طنطا. لم تكن هناك مشكلة بالنسبة لي أن أتزوج في محافظة أخرى بعيدًا عن أهلي، طالما أن العريس يستحق وغني وابن ناس.
أول مرة التقينا فيها، شعرت بشدّة غريبة، ولم أعلم ما السبب، هل لأنه وسيم وطيب أم بسبب لمحة الحزن التي في عينيه، والتي لم أستطع فهم سببها. هو أيضًا شعر بجاذبية قوية تجاهي، ولم ينزل عينه من عليّ، وكان واضحًا أنه معجب بي، بدليل أنه قال لوالدي: "أنا مش هكلفك أي حاجة في الجواز، لا عفش ولا جهاز، ولا أي حاجة. أنا مش عاوزها غير بشنطة هدومها بس. الأهم أننا نتمم الخطوبة والجواز بسرعة".
وبالفعل، وافق والدي، وخُطِبنا وتزوجنا خلال شهرين، لأن شقته كانت جاهزة من كل شيء، وكان قد جلب كل العفش جديدًا على أحدث طراز من خارج مصر.
وصلنا شقتنا قرب الفجر بعد انتهاء الفرح، وطبعا نمنا على طول من كثر التعب. واستيقظنا في اليوم التالي مبكرًا لأننا مسافرين إلى إسبانيا. قضينا عشرة أيام هناك، وكان في قمة الكرم والذوق معي. مجرد أن يشعر أنني أحتاج إلى شيء، يجلبه لي قبل أن أطلبه. كنت أشعر أنه يريد إسعادي بأي طريقة، والأهم أنه كان مراعيًا أنني لا زلت جديدة عليه، لذا لم يفكر في الاقتراب مني إلا عندما نتعود على بعض أكثر.
القسم الثاني: الألم والاكتشاف
عدنا إلى مصر، وبدأت أشعر بالقلق من بعده عني. معقول كل هذا الحب، وهو لا يفكر في الاقتراب مني؟ فكرت أن أتحدث معه بهدوء أولًا وأعرف منه الحقيقة، وإذا لم أستطع الوصول إلى شيء، سأدخل أهلي في الموضوع وهم يتصرفون.
حضّرت العشاء ووضبت البيت، وتوضأت لكي أتمكن من استدراجه في الحديث. بعد قليل، جاء من الخارج، ووجدته قد جلب معه طعامًا جاهزًا. استغربت لماذا لم يخبرني قبل ذلك، حتى لا أعمل طعامًا على الفاضي.
قلت له: "إيه يا حبيبي، الأكل ده كله؟ مش كنت تقولي عشان ما أعملش أكل؟"
رد: "زيادة الخير خيرين، يا حبي. أنت عارفة أنا مش بحب الأكل الجاهز، كلّي أنت الكباب والكفتة، وأنا هاكل من صينية المكرونة الباشميل اللي أنتي عاملاها".
يادوبك خلصنا الأكل، ولا زلت أشيل السفرة، حسيت بوجع جامد في بطني. كان وجعًا رهيبًا لا أستطيع تحمّله، لدرجة أننا نزلنا المستشفى الساعة الواحدة بالليل، وطبعًا أخذني إلى المستشفى عنده... هي مستشفى ولادة لكن فيها قسم طوارئ.
أول ما دخلت المستشفى، حسيت أن في شيء غريب، شعرت أنهم يعرفون أننا جايين الآن، وكانوا قاعدون في انتظارنا. حتى الغرفة كان واضحًا أنهم محضرينها مخصوص عشاني.
حسيت بقلق وخوف، ورغم ذلك لم أستطع التحدث أو النطق من كثر الوجع، لغاية ما جاءت الممرضة وأعطتني إبرة، وذهبت بعدها إلى دنيا أخرى.
القسم الثالث: الحقيقة المرّة
أول ما فقت، لقيته قاعد جنبي في السرير وقلقان عليّ. كنت حاسة كأني متخدرة أو واخدة بنج، ووجدت في ذراعي كانيولا متركبة ومتوصل بها محلول. هو إيه اللي حصل؟ هل أنا عملت عملية ولا إيه؟
قلت له: "أيوة يا حبيبتي، للأسف الزايدة عندك كانت ملتهبة أوي، بس الحمد لله لحقناها على آخر وقت قبل ما تنفجر".
فأجبت: "أنت بتهزر، زايدة إيه؟ أنا عاملة عملية الزايدة من خمس سنين! أنا حاسة أن في حاجة مش طبيعية بتحصل ومش قادرة أفهمها. لو سمحت، مشيني من هنا بسرعة، مش قادرة أتحمل أكثر من كده، أرجوك رجعني بيت أهلي".
قال: "حاضر، بس اهدي شوية، بلاش تنفعل على اللي في بطنك".
فصرخت: "إيه الكلام اللي أنت بتقوله ده؟ أنت عاوز تجنني، أكيد عاوز تجنني! أنت مش طبيعي أبدًا".
تأثرت وفضلت أصرخ بعصبية، وقمت من السرير رغم أني مش قادرة أمشي، ورحت ناحية الشباك أهدم نفسي.
قلت: "لو ما فهمتنيش كل حاجة دلوقتي، أنا هرمي نفسي من الشباك".
قال: "استني بس، أرجوك اهدي وما تعمليش في نفسك حاجة. أنتي متعرفيش البيبي اللي في بطنك ده يبقى بالنسبة لي إيه. ده آخر أمل لي في الدنيا، أرجوك ما تهيّديش وتضيعي كل حاجة في ثانية".
فأجبت: "برضه بتقول البيبي اللي في بطنك، خلاص أنا مش عاوزة أعيش معاك. سيبني أموت، أنا بكرهك، أنت إنسان مش طبيعي. خلاص اهدي، وأنا هحكيلك على كل حاجة. واضح إن مش هينفع أخبي أكثر من كده، بس تعالي الأول ارتاحي في السرير، وأنا هفهمك كل حاجة بالتفصيل".
قال: "من سنتين بالضبط اكتشفت أن عندي ورم سرطاني وفي مرحلة متقدمة كمان، وقبل ما أبدأ العلاج الكيماوي والإشعاعي، الدكتور قالي بصراحة: لو ربنا كتب لك عمر وعشت، مش هينفع بعد كده لا تتجوز ولا تخلف. فلو عاوز تحتفظ بالنطفة مجمدة، دي هتكون آخر فرصة ليك".
وفعلاً، ربنا أراد وشفيت، لكن كنت كل ما أجي أتعرف على واحدة، وتعرف ظروفي، كانت ترفض رغم أني كنت بعرض عليهن فلوس كثيرة، وكنت مستعدًا كمان أكتب الشقة وكل ممتلكاتي باسمها، لكن مفيش ولا واحدة وافقت بالوضع ده.
فقررت أني أختار عروسة من محافظة تانية، تكون ما تعرفش أي حاجة عن مرضي، وأحطها قدام الأمر الواقع قبل ما الوقت يفوت وعملية التلقيح الصناعي تفشل.
فقلت: "تلقيح صناعي يعني أنا في بطني بيبي فعلاً، طب إزاي؟"
قال: "الموضوع كان صعب شوية عشان أخليكي ما تحسيش بأي حاجة. بدأت أحضر للعملية من أول ليلة في جوازنا. كنت بحطلك أدوية ومنشطات في العصير والأكل، ويوم ما أوهمتك إنك شربتي ويسكي، ده كان عصير تفاح وفيه منوم عشان أقدر أعملك تحاليل وأشوف الوقت المناسب للعملية إمتى. وبالمرة قلت أضرب عصفورين بحجر واحد، وأقنعك أن حصل بينا حاجة عشان لما تعرفي أنك حامل، ما تستغربيش".